علي بن مهدي الطبري المامطيري
191
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
وطالت أظفاره ، وساءت حاله ، حتّى جلس منهما ، فمدّ « 1 » يده يريد الطعام ، فناولته القينة كراعا فأكلها ، فمدّ « 2 » يده الثانية ، فقالت القينة : ( يعطى العبد الكراع فيطمع في الذراع ) فذهب مثلا ، ثمّ ناولت الرجلين من شراب كان معهما ، فأوكت زقّها ، فقال عمرو : تصدّ الكأس عنّا أمّ عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو * بصاحبك الذي لا تصحبينا فقالا : اسقيه ، فسقته كؤوسا ، فقال له مالك : من أنت يا فتى ؟ فقال : أنا عمرو بن عديّ ، فمضيا إليه ، فأخذاه وغسّلا رأسه ، وقلّما أظفاره ، وأخذا من شعره ، وألبساه ما كان معهما من الثياب ، وقالا : ما كنّا لنهدي لجذيمة هديّة أنفس عنده ولا أحبّ من ابن أخته ، فردّه اللّه تعالى إليه ، فخرجا به حتّى وقفا به على باب جذيمة ، فبشّراه به ، فسرّ بذلك سرورا شديدا ، فلمّا نظر إليه نبت عينه عنه ، فقالوا له : كيف لا تنبو عينك عنه أيّها الملك ، وقد ساءت حاله ، وعفا شعره ، فبعث به إلى أمّه ، فهيّأته وألبسته أمّه الطوق ، فلمّا نظر إليه جذيمة ، قال : كبر عمرو على الطوق ، فأرسلها مثلا ، وقال للرجلين اللذين جاءا به : احتكما ، فاختارا منادمته ما بقي وبقيا ، فهما نديما جذيمة اللذان يضرب بهما المثل في أشعار العرب ، فقال أبو خراش الهذلي : لعمري لقد « 3 » ملّت كبيشة طلعتي * وإنّ ثوائي عندها لقليل ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا * خليلا صفاء مالك وعقيل وقال متمّم بن نويرة يرثي أخاه مالكا : وكنّا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا * بطول اجتماع لم نبت ليلة معا
--> ( 1 ) . جاءت في المخطوط لفظة « فجرته » فوق لفظة « فمدّ » . ( 2 ) . جاءت في المخطوط لفظة « فجرته » فوق لفظة « فمدّ » وربّما شطب عليها . ( 3 ) . في تاريخ الطبري : لعمرك ما ملّت كبيشة طلعتي .